
إن المتتبع لسيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، يجد نفسه أمام شخصية موسوعية لم تقف حدود معرفتها عند الشريعة واللغة والسياسة فحسب، بل امتدت لتشمل عوالم الملكوت وأسرار الحرف والعدد، وهو ما اصطلح على تسميته بـ “علم الجفر”. هذا العلم الذي يُعد من أدق المباحث التي ارتبطت بآل البيت، يمثل في جوهره منظومة معرفية غيبية، تستند إلى الاعتقاد بأن الله سبحانه وتعالى قد أودع في حروف كتابه وأسمائه أسرار ما كان وما سيكون، وأن هذه الأسرار قد خُص بها النبي صلى الله عليه وسلم، الذي أورثها بدوره لـ “باب مدينة علمه” علي بن أبي طالب. وتؤكد المصادر القديمة، ومنها ما ذكره ابن خلدون في مقدمته والمسعودي في مروج الذهب، أن الجفر في اللغة هو جلد الماعز أو الثور الذي كُتبت فيه هذه العلوم، حيث يروى أن الإمام علياً كان يمتلك كتاباً جامعاً يشتمل على علم الحوادث والبلايا والمنايا، وهو ما جعل مرجعيته في هذا الفن لا تُنازع.
وتذهب الأقوال التاريخية والمرويات المسندة في كتب المناقب والحديث إلى أن علم الجفر ينقسم إلى جفر أبيض وجفر أحمر؛ فالأبيض هو الذي يحتوي على الزبور والتوراة والإنجيل وصحف إبراهيم، بالإضافة إلى العلم بالحلال والحرام، بينما يتعلق الأحمر بالسلاح والقدرة الكونية. ويرى المحققون أن قوة الإمام علي في هذا العلم لم تكن مجرد تكهن أو رجم بالغيب، بل هي استنباطات لدنّية من جوهر القرآن الكريم، فكان يقول: “لو شئت لأوقرت سبعين بعيراً من تفسير فاتحة الكتاب”، مما يشير إلى أن الحروف عنده ليست مجرد أدوات للنطق، بل هي أوعية لمعانٍ لا تنفد. وقد تجلى ذلك في خطبه الشهيرة، كالخطبة التطنجية وخطبة البيان، التي وإن اختلف الرواة في أسانيدها، إلا أنها تعكس تلك الصبغة الكونية التي ميزت كلامه، حيث يتحدث عن أطوار الخلق، ومصائر الدول، وتقلبات الزمان، بلغة تجمع بين بلاغة البيان ودهشة الكشف الغيبي.
وإذا أمعنا النظر في الدلائل والأفعال التي نُقلت عن الإمام، نجد أن تنبؤاته بحوادث تاريخية كبرى قد تحققت في عصور لاحقة، مثل وصفه لخراب بعض المدن، وظهور رايات معينة، وتفاصيل دقيقة عن أحداث الفتن، وهو ما جعل علماء الحروف والباطن يعتبرون الجفر “علم الجدول الكوني” الذي وضع الإمام علي قواعده الرياضية والروحية. ويرتبط هذا العلم ارتباطاً وثيقاً بـ “علم الحروف” (السيمياء)، حيث يُعتقد أن لكل حرف قيمة عددية وسراً ملكوتياً، وأن تركيب هذه الحروف وفق موازين معينة يفتح مغاليق المستقبل. ويؤكد أصحاب هذا الفن أن الإمام علي وضع كتاباً يُعرف بـ “الجفر الجامع والنور اللامع”، والذي تداولته الأيدي عبر القرون بصفته الشفرة الرمزية لتاريخ البشرية، مشيرين إلى أن هذا العلم لا يدركه إلا “العالم الرباني” الذي صفت مرآة قلبه، فاستحق أن يرى ما خلف حجب المادة.
إن الربط بين علي بن أبي طالب وعلم الجفر ليس مجرد نسبة مذهبية، بل هو اعتراف تاريخي بعمق الفكر الفلسفي والروحي لهذه الشخصية التي جمعت بين سيف البطولة وقلم الحكمة. فالمصادر السنية والشيعية والصوفية على حد سواء، تلتقي في نقطة واحدة وهي أن علياً كان “خزانة الأسرار النبوية”، وأن ما نُقل عنه من أخبار المغيبات لم يكن إلا غيضاً من فيض ذلك الكتاب المكنون. وهكذا يظل علم الجفر في الوجدان الإسلامي رمزاً للصلة بين الأرض والسماء، ومثالاً على العلم الذي يتجاوز المحسوس ليدرك الجوهري، تحت رعاية وإمام صاحب النهج الذي قال يوماً وهو على منبر الكوفة: “سلوني قبل أن تفقدوني، فإني بطرق السماء أعلم مني بطرق الأرض”، ليبقى هذا العلم شاهداً على مرتبة فكرية وروحية سامقة، تدمج بين الوحي والعقل والشهود في وحدة معرفية فريدة لا تنفصم عراها.







