منوعات

لغز التخاطر ووشوشات الروح: حين تتعانق الأفكار وتتحد الكلمات

​منذ فجر البشرية، والإنسان يقف مذهولاً أمام تلك اللحظات الخاطفة التي يبدو فيها الزمن وكأن غلافه قد رَقّ، فتنفذ فكرة من عقل إلى آخر دون وسيط، أو تسبق الرغبةُ الحدثَ فتقع في التو واللحظة، أو يجد رفيقان نفسيهما ينطقان بجملة واحدة في آن واحد، كأنما نُفخ في روعهما من مشكاة واحدة. إن هذه الظاهرة التي نسميها اليوم “التخاطر” أو “التواقت” ليست مجرد صدفة عابرة في قاموس الوجود، بل هي خيط حريري يربط بين الأرواح، وقد سعت الفلسفات والأديان والعلوم عبر العصور لفك طلاسمها.
​في التاريخ القديم، لم ينظر الحكماء إلى هذه اللحظات بوصفها “غرابة”، بل كدليل على وحدة الوجود. فالفيلسوف اليوناني “أفلاطون” كان يرى أن النفوس كانت تعيش في عالم “المثل” قبل حلولها في الأجساد، وأن المعرفة ما هي إلا تذكر، لذا فإن تلاقي الأفكار هو استرجاع جماعي لحقيقة واحدة. أما في التراث الشرقي، وتحديداً في الفلسفات الهندية والتبتية، فقد تحدثوا عما يسمى “سجلات الأكاشا”، وهي حقل طاقة كوني يخزن كل فكرة وشعور، مما يفسر كيف يمكن لعقلين أن يغرفا من نفس النهر في ذات اللحظة.
​وإذا ما ولجنا رحاب الأديان، نجد أن هذا التواصل الروحي له مكانة سامقة. في التراث الإسلامي، نجد الحادثة الشهيرة للخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين كان يخطب على المنبر في المدينة المنورة، وصرخ فجأة: “يا سارية الجبل!”، ليسمعه قائده سارية وهو في خضم معركة ببلاد الفرس على بعد آلاف الأميال، فيحتمي بالجبل وينجو بجيشه. هذا ما يسميه المتصوفة “الكشف” أو “الفراسة المؤمنة”، حيث يقول ابن القيم في مدارج السالكين إن الأرواح “جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف”، وأن شدة الصفاء الروحي تجعل القلب مرآة تنعكس عليها خواطر الآخرين. وفي العهد القديم، تبرز قصص الأنبياء والرؤى التي كانت تتحقق بمجرد تصورها، مما يشير إلى أن “الكلمة” أو “الفكرة” لها سلطة تكوينية في عالم المادة.
​ومع انتقالنا إلى العصر الحديث، حاول العلم أن يرتدي عباءة التفسير، فخرج إلينا عالم النفس الشهير “كارل يونغ” بمفهوم “التزامن” . يرى يونغ أن هناك أحداثاً تقع في عالمنا الخارجي تتوافق بدقة مذهلة مع ما يدور في عالمنا الداخلي دون وجود علاقة سببية مادية، بل هي “صدفة ذات مغزى”. ويدعم ذلك في الفيزياء الحديثة ما يعرف بـ “التشابك الكمي”، حيث يثبت العلم أن الجسيمات التي كانت مرتبطة يوماً ما تظل تؤثر في بعضها البعض لحظياً مهما بلغت المسافات بينها، وهو ما يفسر علمياً كيف يمكن لشخصين، تجمعهما رابطة دم أو مودة، أن يفكرا في ذات الأمر في ذات الثانية.
​يقول الأديب “جبران خليل جبران” إن “المحبة لا تعرف عمقها إلا ساعة الفراق”، ولكن المحبة أيضاً هي التي تخلق ذاك الجسر الخفي الذي يجعل الألسنة تنطق بلسان واحد. فعندما تنطق أنت وزميلك نفس الجملة، فأنتما لا تكرران كلمات، بل تبرهنان على أن طاقتكما العقلية قد دخلت في حالة من الرنين الموحد. إنها اللحظة التي يثبت فيها الوجدان أن الإنسان ليس جزيرة منعزلة، بل هو جزء من محيط كوني شاسع، حيث الأفكار خيول جامحة تسري في عروق الكون، وحيث الصمت في كثير من الأحيان يكون أبلغ وسيلة للحوار، لأن الأرواح تتحدث لغة لا تحتاج إلى حروف، بل تحتاج فقط إلى صفاء في النفس ودهشة في القلب.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة بيان بريس الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية. عضو غرفة الصناعة التقليدية بالمحمدية المغرب. آستشاري قانوني في الحكامة وتأسيس الشركات .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى