اسلاميات

فارسُ الكِفاح وشهيدُ الاستبشار: سيرةُ الصحابيِّ عبدِ اللهِ بنِ عَمرو بنِ حَرام

في ظلالِ التاريخِ الإسلاميِّ المشرق، تبرزُ شخصياتٌ لم تكن مجردَ أسماءٍ عابرة، بل كانت مناراتٍ من النورِ الإيمانيِّ الذي شقَّ دياجيرَ الجاهلية، ومن هؤلاءِ العظماءِ الذين خُلِّدَ ذكرُهم في السمواتِ والأرض، نجدُ الصحابيَّ الجليلَ عبدَ اللهِ بنَ عمرو بنِ حَرام، نقيبَ بني سَلِمة وأحدَ خيرةِ الأنصارِ الذين بايعوا اللهَ ورسولَه تحتَ جنحِ ليلِ العقبة، فكان صدقُه في المبتدأ عنواناً لكرامتِه في المنتهى. تبدأُ حكايةُ هذا الفارسِ حين دخلَ الإيمانُ شغافَ قلبِه، فأصبحَ أحدَ النقباءِ الاثني عشر الذين وقعت على عاتقِهم مسؤوليةُ نشرِ هذا الدينِ في يثرب، فكان بيتاً من بيوتِ الجودِ والكرم، ورجلاً تجردَ من حطامِ الدنيا ليبيعَ نفسَه للهِ في بيعةٍ رابحة، ومع توالي الأحداثِ واشتدادِ عودِ الدولةِ الإسلامية، كانت غزوةُ أُحدٍ هي المسرحَ الأخيرَ لبطولةٍ لم يشهدِ الزمانُ لها مثيلاً.
​في تلك الليلةِ التي سبقت اللقاءَ المرتقبَ تحت جبلِ أُحد، كان لعبدِ اللهِ بنِ حرامٍ بصيرةٌ نافذةٌ حدَّثتْه بأنَّ رحيلَه قد دنا، فاستدعى ابنَه جابراً، ذلك الشابَّ الذي سيحملُ لاحقاً لواءَ الروايةِ والعلم، وهمسَ في أُذنِه بكلماتٍ هي مزيجٌ من الوصيةِ واليقين، حيث قال له بلسانِ الواثقِ بما عندَ ربه: “يا جابر، ما أراني إلا مقتولاً في أولِ من يُقتلُ من أصحابِ النبيِّ ﷺ”، ولم تكن هذه الكلماتُ خوفاً بل كانت استبشاراً بالشهادة، إلا أنَّ قلقَه الوحيدَ كان يتمثلُ في دينٍ أثقلَ كاهلَه ووصيةٍ ببناتِه السبع، فأوصى جابراً بقضاءِ الدينِ والرفقِ بأخواتِه، ثم مضى إلى ساحةِ المعركةِ بخُطىً لا تتردد. ومع اشتعالِ وطيسِ الحرب، كان عبدُ اللهِ يصولُ ويجولُ مقبلاً غيرَ مدبر، حتى اختاره اللهُ لجواره، فكان أولَ من رُزقَ الشهادةَ في ذلك اليوم، ليخرَّ صريعاً على ترابِ أُحد، مروياً بدمائِه الطاهرةِ التي ستظلُ شاهدةً على وفائه.
​ولم تكن شهادتُه مجردَ نهايةِ حياة، بل كانت بدايةً لكراماتٍ نادرةٍ تواترت بها الأثرُ الصادق، فحينما جيءَ بجثمانِه وقد مُثِّلَ به المشركون، جعلت ابنتُه فاطمةُ تبكي عليه، فجاءَ البلسمُ النبويُّ ليمسحَ على القلوبِ المفجوعة، حيث قال رسولُ اللهِ ﷺ للباكين: “تبكينه أو لا تبكينه، ما زالت الملائكةُ تظله بأجنحتها حتى رفعتموه”، وهي صورةٌ تفيضُ بالجلالِ تعكسُ مقدارَ الحفاوةِ التي استُقبلت بها روحُه في الملكوتِ الأعلى. ولكنَّ أعظمَ ما رُويَ في فضله، وهو ما يخلعُ القلوبَ مهابةً وشوقاً، هو ما أخبرَ به المصطفى ﷺ ابنَه جابراً حين رآه منكسرَ الخاطر، فبشره بأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لم يكلم أحداً من البشرِ إلا من وراءِ حجاب، إلا عبدَ اللهِ بنَ حرام، فقد أحياه اللهُ وكلمه كفاحاً، أي مواجهةً بلا واسطة، وقال له: “يا عبدي تمنَّ عليَّ أُعطِك”، فما كان من هذا الشهيدِ الذي تذوقَ حلاوةَ القربِ إلا أن تمنى العودةَ إلى الدنيا ليُقتلَ في سبيلِ اللهِ مرةً ثانية، لعظمِ ما رأى من فضلِ الشهادة، فأجابه الربُّ الكريمُ بأنَّ القضاءَ قد سبقَ بأنهم لا يرجعون.
​وتستمرُ فصولُ هذه القصةِ حتى بعدَ وفاتِه بعقود، لتبرهنَ للعالمينَ أنَّ أجسادَ الأنبياءِ والشهداءِ محرمةٌ على الأرض، ففي عهدِ معاويةَ بنِ أبي سفيان، وحينَ أرادَ المسلمون إجراءَ قناةٍ مائيةٍ تمرُّ بمقابرِ شهداءِ أُحد، اضطروا لنقلِ الرفات، فكانت المفاجأةُ التي أذهلت الأبصارَ وسكنت لها الجوارح، حيث وجدوا عبدَ اللهِ بنَ حرامٍ وصاحبَه عمرو بنَ الجموح في قبرِهما وكأنهما ماتا بالأمس، لم تتغير معالُمهما ولم تأكلِ الأرضُ منهما ذرة، بل إنَّ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يروي أنه حينَ تحركتِ المسحاةُ وأصابت قدمَ أبيه، انبعثَ منها الدمُ طرياً كأنه في لحظةِ استشهادِه الأولى بعد مرورِ ستةٍ وأربعين عاماً. إنَّ سيرةَ عبدِ اللهِ بنِ حرامٍ تظلُ نبراساً لكلِّ باحثٍ عن الصدقِ مع الخالق، فهي قصةٌ تجسدُ كيفَ تتحولُ الدنيا بكلِّ ما فيها من مادةٍ وهمومٍ إلى جسرٍ عبورٍ نحو الخلود، وكيفَ يكرمُ اللهُ عبادَه الذين صدقوا ما عاهدوا اللهَ عليه، فاستحقوا أن تُظلَّهم أجنحةُ الملائكةِ وتُبشرَهم كلماتُ الجبارِ في جناتِ النعيم.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة بيان بريس الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية. عضو غرفة الصناعة التقليدية بالمحمدية المغرب. آستشاري قانوني في الحكامة وتأسيس الشركات .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى