سياحة

عروس الجبال الشرقية: حين يتعانق عبق التاريخ بصفاء المحيط في الفجيرة

تننبثق الفجيرة من بين ثنايا جبال الحجر الشاهقة كجوهرة مصقولة على ساحل خليج عمان، وهي الوجهة التي تعيد تعريف مفهوم الجمال الطبيعي في دولة الإمارات العربية المتحدة بخصوصية فريدة وتضاريس لا تشبه سواها. تبدأ الحكاية من تلك القمم البركانية الداكنة التي تحتضن المدينة، حيث تمنح الزائر شعوراً بالهيبة والسكينة في آن واحد، بعيداً عن صخب الأبراج الشاهقة، لتستبدلها بلوحة فنية من الوديان الخضراء والشواطئ الرملية الممتدة التي تداعبها أمواج المحيط الهندي الصافية. في الفجيرة، يتنفس التاريخ من خلال “قلعة الفجيرة” الراسخة فوق تلة صخرية، والتي تحكي جدرانها الطينية قصص الصمود والذود عن الأرض منذ القرن السادس عشر، بينما يقف “مسجد البدية” كأقدم مسجد في الدولة، شاهداً على عراقة العمارة الإسلامية وبساطتها التي قاومت الزمن لأكثر من أربعة قرون. ولا تقتصر التجربة على عبق الماضي، بل تمتد لتشمل الإثارة في “وادي الوريعة” الذي يعد محمية طبيعية ساحرة تضم شلالات مياه عذبة وتنوعاً بيولوجياً نادراً يجعل من ممارسة رياضة المشي الجبلي مغامرة لا تُنسى.
أما عشاق البحر، فالفجيرة هي ملاذهم الأول بلا منازع، حيث تعتبر منطقة “العقة” و”جزيرة السنوبي” من أفضل بقاع الغوص في المنطقة، إذ تكتنز أعماقها شعاباً مرجانية ملونة وسلاحف بحرية وأسراباً من الأسماك الاستوائية التي تمنح الغواصين تجربة بصرية مذهلة. ولا تكتمل الرحلة دون الاسترخاء في “عين المضب” الكبريتية التي توفر استشفاءً طبيعياً وسط حدائق غناء، أو زيارة “سوق الجمعة” الشعبي في منطقة مسافي، حيث تفوح رائحة الفخار المحروق والسجاد اليدوي وتنتشر ثمار الفواكه الجبلية الطازجة التي تعكس كرم الأرض وأهلها. إن الفجيرة ليست مجرد وجهة سياحية، بل هي رحلة حسية متكاملة تجمع بين هدوء البحر وشموخ الجبل، مما يجعلها الملاذ المثالي لمن يبحث عن الأصالة والاستجمام في قلب الطبيعة البكر. ويمكن إثراء هذه الرحلة بتفاصيل تضفي عليها حيوية أكثر وتبرز الجوانب “الخفية” التي تجعل الفجيرة فريدة، حيث تبرز “رياضة مصارعة الثيران” الشعبية، وهي تقليد تراثي فريد في الفجيرة يختلف تماماً عن النسخة الإسبانية، حيث تعتمد على قوة النطاح بين الثيران دون إراقة دماء، وتقام وسط تجمعات جماهيرية حاشدة تعكس هوية المجتمع المحلي. كما تمنح “قرية التراث” الزائر فرصة العيش في تفاصيل الحياة الإماراتية القديمة، من خلال مشاهدة الأدوات المنزلية التقليدية وطرق الري القديمة التي كانت تستخدم في المزارع الجبلية.
ومن الناحية الترفيهية الحديثة، يبرز “نادي الفجيرة الدولي للرياضات البحرية” الذي يستضيف بطولات عالمية للزوارق السريعة، مما يمزج بين هدوء الطبيعة وإثارة الرياضات العصرية. ولا ننسى ذكر “قلعة الحيل” المتوارية بين الجبال، والتي كانت مقراً صيفياً للحكام، وتتميز بإطلالة بانورامية تسحر الألباب، بالإضافة إلى تنوع خيارات الإقامة التي تجمع بين المنتجعات العالمية الفاخرة ذات الإطلالات الأطلسية، وبين “الكامبينج” أو التخييم الجبلي في مناطق مثل “وادي سهم”، حيث صفاء السماء وهدوء الليل الذي يتيح رؤية النجوم بوضوح لا مثيل له، فهذه التفاصيل تجعل الفجيرة دليلاً شاملاً يجمع بين سحر الأسطورة وواقع الحداثة.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة بيان بريس الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية. عضو غرفة الصناعة التقليدية بالمحمدية المغرب. آستشاري قانوني في الحكامة وتأسيس الشركات .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى