
تعيش جمهورية مالي على وقع تحول دراماتيكي في مسار الصراع الممتد منذ سنوات، حيث شهدت الساعات الماضية تصعيداً هو الأعنف والأكثر تنظيماً في تاريخ المواجهات بين الجيش المالي والحركات المسلحة في الشمال، إذ دخلت مدينة كيدال الاستراتيجية فصلاً جديداً من فصول الصراع بعد أن بسطت حركة تحرير أزواد سيطرتها على أجزاء واسعة منها إثر قتال ضارٍ استمر منذ يوم أمس. ولم تكن السيطرة الميدانية على كيدال مجرد تقدم تكتيكي، بل جاءت نتيجة عملية عسكرية معقدة ومنسقة استهدفت عشر نقاط حيوية في عمق البلاد وتخومها في آن واحد، مما شتت قدرات الرد السريع لدى الجيش المالي وحلفائه من “الفيلق الأفريقي” الروسي. فبينما كانت الأنظار تتجه نحو الشمال، كانت العاصمة باماكو ومدينة كاتي العسكرية تعيشان وقع انفجارات واشتباكات غير مسبوقة، طالت حتى مطار باماكو الدولي وقاعدة “موديبو كيتا” الجوية، وسط أنباء متواترة ومقلقة حول مقتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا في قصف استهدف مقر إقامته، وهو ما يمثل ضربة قاصمة للبنية القيادية للمجلس العسكري الحاكم.
هذا الانفجار الأمني الكبير جاء مدفوعاً بتحالف ميداني جديد ومفاجئ، حيث تشير التقارير المتقاطعة إلى تنسيق عسكري عالي المستوى بين جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وهو التحالف الذي نجح في تنفيذ ما يشبه “عملية الكماشة” التي شلت حركة سلاح الجو المالي، الذي كان يعد الورقة الرابحة لباماكو في المواجهات السابقة. وقد أفادت مصادر ميدانية بسقوط مروحية عسكرية من طراز Mi-8 تابعة للقوات الروسية الداعمة للجيش قرب منطقة “واباريا” في غاو، مما قلص من فاعلية التغطية الجوية ومنح مقاتلي أزواد فرصة التقدم في شوارع كيدال والسيطرة على مقر حاكم المدينة. وفي ظل هذا الضغط العسكري الهائل، تسربت أنباء عن مفاوضات تحت النار أدت إلى اتفاق سمح للقوات المالية والروسية بالانسحاب الآمن من آخر معاقلها في كيدال، وهو “المعسكر رقم 2″، لتعلن الحركة عقب ذلك المدينة منطقة محررة بالكامل، في مشهد يعيد للأذهان رمزية كيدال كقلعة تاريخية للحركات التارقية.
وعلى الجانب الآخر، تظل الرواية الرسمية القادمة من باماكو متمسكة بقدرة الجيش على احتواء الموقف، حيث خرجت بيانات عسكرية تتحدث عن تحييد مئات المهاجمين ووصف الهجمات بالعمليات اليائسة التي تستهدف زعزعة الثقة في القيادة، إلا أن الواقع على الأرض وحظر التجوال المفروض في عدة مدن، بالإضافة إلى الشلل التام في حركة الطيران المدني، يعكس حجم الارتباك الأمني الذي أصاب مفاصل الدولة. ومع استمرار انقطاع المعلومات التفصيلية حول حصيلة الضحايا النهائية وتضارب الأنباء حول مصير الشخصيات القيادية، يجد المجتمع الدولي نفسه أمام واقع جيوسياسي جديد في منطقة الساحل، حيث يهدد هذا الانهيار الأمني بتدفق موجات نزوح بشرية هائلة نحو دول الجوار، خاصة موريتانيا والجزائر، مما يضع المنطقة برمتها على فوهة بركان قد يعيد صياغة خارطة النفوذ والسيطرة في غرب أفريقيا لسنوات طويلة قادمة.







