اسلاميات

شذى العبير في سيرة الصحابي الجليل عكاشة بن محصن

يظل التاريخ الإسلامي حافلاً بسير العظماء الذين صاغوا بدمائهم وعزيمتهم ملامح فجر جديد للبشرية، ومن بين هؤلاء الأعلام يبرز اسم الصحابي الجليل عكاشة بن محصن الأسدي، الذي رغم كونه من السابقين إلى الإسلام وشهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن ذكره قد يخفى على الكثيرين مقارنة بأعلام الصحابة المشاهير. كان عكاشة رضي الله عنه مثالاً حياً للفارس الذي يجمع بين هيبة المظهر وعمق الإيمان، وقد وصفه الرواة بأنه كان من أجمل الرجال وجهاً وأحسنهم قواماً، لكن جمال روحه وتسابقه نحو نيل مرضاة الله كان هو السمة الأبرز التي خلدت ذكره في دواوين السنة والسيرة النبوية المطهرة. وتجلت مكانته الرفيعة في تلك اللحظة النبوية الخالدة حين ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فوثب عكاشة ببديهة المؤمن المتعطش للفوز العظيم قائلاً “أدعو الله أن يجعلني منهم”، فجاءه الرد النبوي الذي صار مضرباً للأمثال عبر العصور بقوله “أنت منهم”، فكانت هذه الشهادة بمثابة وسام رباني لم يحزه إلا القليل، حتى غدت جملة “سبقك بها عكاشة” قانوناً إيمانياً يحث على المبادرة والمسارعة إلى الخيرات قبل فوات الأوان. ولم تكن هذه المنزلة وليدة الصدفة، بل كانت نتاجاً لمسيرة حافلة بالبذل والعطاء، فقد هاجر عكاشة الهجرتين وشهد بدراً وأبلى فيها بلاءً حسناً حتى انكسر سيفه في يده، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم عرجوناً من نخل، فانقلب في يده سيفاً حديدياً صارماً أبيض شديد المتن، ظل يقاتل به في كل الغزوات حتى استشهد وهو عنده، وسمي ذلك السيف “العون”. واستمرت مسيرة هذا الصحابي المخلص في الذود عن حياض الدين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان في طليعة المقاتلين في حروب الردة تحت لواء خالد بن الوليد، مواجهاً الفتن بصدر رحب وإيمان لا يتزعزع، حتى نال الشهادة التي طالما تاق إليها في معركة بزاخة على يد طليحة بن خويلد الأسدي قبل أن يسلم الأخير، ليرحل عكاشة عن دنيانا تاركاً خلفه إرثاً من البطولات الصامتة واليقين الصادق، مبرهناً على أن العبرة ليست بالشهرة الذائعة بل بالقبول عند الله والسبق في ميادين التضحية والفداء.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة بيان بريس الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية. عضو غرفة الصناعة التقليدية بالمحمدية المغرب. آستشاري قانوني في الحكامة وتأسيس الشركات .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى