
يرتبط مفهوم الأضحية في الوعي الديني الإبراهيمي بجذع واحد يمتد عميقاً في تاريخ البشرية، لكن ثمار هذا الجذع تباينت في تفاصيلها الطقسية وفلسفتها اللاهوتية بين المسلمين واليهود، لتشكل مشهداً معقداً يجمع بين الطاعة المطلقة والرمزية الكونية. في الإسلام، تتجذر الأضحية في قصة الذبيح التي وردت في القرآن الكريم كاختبار للنبي إبراهيم، حيث يظهر النص القرآني جوهر المسألة في قوله “لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم”، مما يحول الفعل من مجرد إراقة دم إلى فعل تعبدي غايته الإخلاص والامتثال، وقد أجمع علماء المسلمين من المذاهب الأربعة على أنها سنة مؤكدة أو واجبة على المستطيع، مستندين إلى فعل النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي ضحى بكبشين أملحين أقرنين، وهو ما جعل من عيد الأضحى تظاهرة اجتماعية وروحية كبرى تتجاوز الفرد إلى الجماعة، حيث يتم تقسيم الأضحية إلى أثلاث، ثلث للأهل وثلث للقربى وثلث للفقراء، ترسيخاً لمبدأ التكافل الاجتماعي الذي لا ينفصل عن الجانب التعبدي. أما في المنظور اليهودي، فإن المسألة تأخذ أبعاداً هيكلية صارمة ترتبط بالعهد القديم وتفاصيل “سفر اللاويين” الذي يعد دستور القرابين، فالأضحية أو “القربان” (Korban) في اليهودية كانت تتمحور حول الهيكل في القدس، وكانت تنقسم إلى أنواع متعددة منها “عولاه” أو المحرقة التي تحرق بالكامل لله، و”شيلاميم” أو ذبائح السلامة التي يؤكل جزء منها، وذبائح الخطية والإثم، وقد فصلت التوراة في شروط الحيوان من حيث السن والخلو من العيوب بشكل دقيق جداً يفوق في تفاصيله التشريعات الإسلامية، ولكن بعد هدم الهيكل الثاني عام 70 ميلادية، توقف تقديم الذبائح الدموية عند غالبية الطوائف اليهودية، واستبدلت بالصلوات والأدعية بناءً على تفسيرات الأحبار في التلموذ الذين اعتبروا أن “صلواتنا تقوم مقام قرابيننا”، ومع ذلك يظل “عيد الفصح” (Pesach) يحمل ذكرى “قربان الفصح” الذي ذبحه العبرانيون في مصر، حيث تبرز هنا مفارقة تاريخية؛ فبينما يرى المسلمون في الأضحية استمرارية لنهج إبراهيم السنوي، يراها اليهود المعاصرون طقساً معلقاً بانتظار إعادة بناء الهيكل، باستثناء طائفة “السامريين” التي لا تزال تذبح القرابين على جبل جرزيم حتى يومنا هذا. وفي قراءة مقارنة لأقوال العلماء والأحبار، نجد أن الفكر الإسلامي ركز على “الفداء” الكوني للإنسان من خلال الحيوان، معتبراً أن الكبش الذي نزل من السماء كان فداءً لإسماعيل (أو إسحاق في بعض الروايات التفسيرية)، بينما ركز الفكر التلموذي على فكرة “الكفارة” والتقرب الميكانيكي لله عبر رائحة البخور واللحم المحترق “رياح نيحوح” كما تصفها التوراة، وهو ما يعكس اختلافاً في النظرة إلى العلاقة بين الخالق والمخلوق؛ فهي في الإسلام علاقة رحمة وابتلاء بالتقوى، وفي اليهودية القديمة كانت علاقة تعاقدية قانونية تتطلب دم الحيوان كفاتورة للتكفير عن الخطايا البشرية. إن التدقيق في المصادر القديمة يكشف أن كلا الدينين يشتركان في “تقديس الدم” كرمز للحياة التي لا يملكها إلا الخالق، ولذلك يحرم الإسلام واليهودية أكل الدم، ويشترطان الذبح من الودجين لضمان خروج الروح بطريقة محددة، مما يجعل من “السكين” أداة فصل بين المقدس والمدنس، وبينما يتوسع علماء المسلمين في شرح مقاصد الأضحية بصفتها شكران للنعمة وإحياء لذكرى إبراهيم، نجد الأحبار في “المشنا” و”الجمارا” يغرقون في تفاصيل دقيقة حول كيفية رش الدم على زوايا المذبح وتصنيف الحيوانات الطاهرة، مما يعكس نزعة تشريعية تقنينية في اليهودية مقابل نزعة أخلاقية اجتماعية في الإسلام، وبالرغم من هذا التباين، يظل المشهد الإبراهيمي في كلا الجانبين يؤكد على حقيقة واحدة، وهي أن التقرب إلى الله يتطلب دائماً “تضحية” بشيء مادي لترقية الروح، سواء كان ذلك عبر توزيع اللحم على الجوعى في شوارع مكة والقاهرة، أو عبر تلاوة نصوص الذبائح في كنيس بالقدس أو نيويورك تحسراً على هيكل مفقود، لتبقى الأضحية في نهاية المطاف هي اللغة الصامتة التي يحاول بها الإنسان جسر الهوة بين ترابية الأرض وطهرانية السماء.







