اسلاميات

​تاريخ الشيعة والتشيع: الملحمة الكبرى من فجر الإسلام إلى العصر الحديث

​إن الحديث عن تاريخ الشيعة هو حديث عن مسار متعرج وطويل بدأ كنواة سياسية حول أحقية آل بيت النبي ﷺ بالخلافة، ثم استحال إلى مذهب دائم الرسوخ في وجدان الملايين. تبدأ القصة فعلياً من لحظة “السقيفة”؛ فبينما كان المسلمون ينصبون أبا بكر الصديق خليفة، كان علي بن أبي طالب وجماعة من الصحابة مثل الزبير بن العوام وعمار بن ياسر والمقداد بن الأسود يربطون الشرعية بـ “النص والوصية”. يرى علماء الشيعة، كالشيخ المفيد في “الإرشاد”، أن النبي ﷺ قد نصب علياً في غدير خم، بينما يرى علماء السنة أن تلك الحادثة كانت دعوة للمحبة والموالاة لا للحكم. هذا التباين هو الحجر الأساس الذي بُني عليه صرح التشيع، حيث استمرت هذه “الكتلة العلوية” كتيار معارض يتنامى في صمت خلال عهود الخلفاء الثلاثة الأوائل، حتى آلت الخلافة لعلي في ظروف الفتنة الكبرى، لتبدأ المواجهة المسلحة الأولى في صفين والجمل، وهي المواجهة التي فرزت المجتمع الإسلامي إلى معسكرين سياسيين بوضوح: شيعة علي وشيعة معاوية.
​إن نقطة التحول الوجودية التي صبغت التشيع بصبغة “المظلومية والثورة” هي بلا شك واقعة كربلاء عام 61 هـ. إن مقتل الحسين بن علي لم يكن مجرد واقعة عسكرية، بل كان “انفجاراً كونياً” في الضمير الإسلامي. يقول المستشرق إدوارد غيبون: “إن مشهد مصرع الحسين، رغم تقادم العهد والمسافة، لا بد أن يثير العطف في قلب أشد القراء جفاءً”. من هنا انبثقت حركات التوابين التي قادها سليمان بن صرد الخزاعي، والتي لم يكن هدفها الحكم بقدر ما كان “التكفير عن ذنب” خذلان الحسين، وهو ما أدى لولادة الطقوس الشيعية اللاحقة. تبع ذلك حركة المختار الثقفي الذي أدخل مفاهيم جديدة مثل “المهدوية” عبر محمد بن الحنفية، مما جعل التشيع يتشعب من كونه حركة سياسية قرشية إلى حركة تضم “الموالي” (غير العرب) الذين وجدوا في عدالة آل البيت ملاذاً من تمييز الأمويين.
​في العصر العباسي، شهد التشيع مخاضاً علمياً كبيراً، خاصة في عهد الإمام جعفر الصادق الذي يُعتبر “المؤسس الفكري” للمذهب الإمامي. في مدرسته، تخرج آلاف العلماء، ومن هنا برزت مسألة “العصمة” و”النص”، وأصبح للإمام دور يتجاوز السياسة ليكون مرجعاً كونياً وروحياً. ومع وفاة الأئمة المتعاقبين، وقعت الانقسامات الكبرى؛ فمنهم من وقف عند زيد بن علي (الزيدية) الذين أجازوا خروج المفضول مع وجود الأفضل ولم يشترطوا العصمة، ومنهم من ذهب مع إسماعيل بن جعفر (الإسماعيلية) الذين بنوا لاحقاً الدولة الفاطمية التي حكمت من المحيط إلى الحجاز وأسست القاهرة، ومنهم من سار في خط الإثنا عشرية الذين انتهوا بغيبة الإمام الثاني عشر (المهدي) عام 260 هـ، وهو ما أدخل المذهب في “عصر الغيبة” وانتظار الفرج.
​تاريخياً، استطاع الشيعة تأسيس كيانات سياسية غيرت وجه التاريخ؛ فالدولة البويهية في القرن الرابع الهجري (عصر الرينيسانس الإسلامي) سيطرت على بغداد وجعلت الخليفة العباسي مجرد رمز، وفي هذه الفترة دُونت الكتب الأربعة الأساسية للشيعة (الكافي، من لا يحضره الفقيه، التهذيب، والاستبصار). وفي المغرب، أسس إدريس بن عبد الله (الناجي من موقعة فخ) دولة الأدارسة، أول دولة علوية مستقلة. وصولاً إلى المنعطف الأبرز في العصر الوسيط مع قيام الدولة الصفوية في إيران عام 1501 م على يد إسماعيل الصفوي، الذي حول إيران من المذهب السني إلى الشيعي، مما خلق توازناً استراتيجياً (وصراعاً مريراً) مع الدولة العثمانية السنية، وهو الصراع الذي أعاد رسم حدود المذاهب في الشرق الأوسط.
​يرى المؤرخ ابن خلدون أن التشيع هو ظاهرة اجتماعية تداخلت فيها العاطفة بالحق الشرعي، بينما يرى علماء العصر الحديث مثل المرجع السيد الخوئي أو السيد السيستاني أن التشيع هو استمرار لمنهج “الثقلين” (الكتاب والعترة). وفي العصر المعاصر، انتقل التشيع من حيز الممارسة العبادية والانتظار السلبي إلى “التشيع الثوري” مع نظرية ولاية الفقيه التي صاغها الإمام الخميني، والتي حولت المرجع الديني إلى قائد سياسي، مما أدى لقيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتصاعد نفوذ الحركات الشيعية في العراق ولبنان واليمن. إن هذا التاريخ، بكل ما فيه من دماء ودموع ومناظرات فقهية، يثبت أن الشيعة ليسوا مجرد فرقة، بل هم جزء أصيل من نسيج الحضارة الإسلامية، ساهموا في الفلسفة والكلام والشعر والعمارة، وظلوا متمسكين برؤية مفادها أن “الأرض لا تخلو من حجة”، سواء كان ظاهراً مشهوراً أو غائباً مستوراً.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة بيان بريس الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية. عضو غرفة الصناعة التقليدية بالمحمدية المغرب. آستشاري قانوني في الحكامة وتأسيس الشركات .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى